كثير من رواد الأعمال يشرعون في إطلاق مشاريعهم قبل أن يقفوا على فهم بعض الأمور المؤثرة على المشروع، وأحيانا يفقد المشروع بوصلته منذ البداية، وتتحول الموارد والجهود إلى مخاطرة غير محسوبة، فتضيع الرؤية، وتختفي المؤشرات، ويصبح القرار رهين الحدس لا التحليل والتخمين العشوائي المكلف دائمًا ماليًا.
وحين يتجاهل رواد الأعمال الدراسة المتكاملة، تتكرر أخطاء قاتلة تقضي على المشروع قبل انطلاقه. في هذا المقال نعرض ستة أخطاء شائعة في دراسة الجدوى، يدفع ثمنها رواد الأعمال غاليًا، خصوصًا في السوق السعودي سريع النمو، حيث الزخم الاستثماري مرتفع، والمنافسة حادة، ولا مكان للقرارات غير المبنية على بيانات دقيقة وتحليل مالي وتشغيلي وتسويقي واقعي، واضح، قابل للقياس والتنفيذ المستدام طويل الأجل.
1. بناء المشروع على افتراضات غير واقعية
أول وأخطر الأخطاء التي يقع فيها رواد الأعمال هو تأسيس المشروع على الإحساس أو الانبهار بفكرة يظنها عبقرية، دون اختبار فعلي للسوق. ازدحام المقاهي في جدة لا يعني نجاح مقهى في كل حي، ونجاح تطبيق مشهور لا يضمن تكرار التجربة. الفكرة وحدها لا تكفي دون بيانات وتحليل وقراءة واقعية لفرص النجاح والمخاطر المحتملة.
اقرأ أيضًا: مؤتمر مستقبل المعادن يطور اتجاه الاستثمار العالمي في 3 سنوات
يجب أن يكون رواد الأعمال ودراسة الجدوى وجهين لعملة واحدة، لأن أي مشروع بلا تحليل سوقي دقيق يشبه الزراعة في أرض مجهولة. دراسة المنافسين، وفهم سلوك المستهلك، وتقدير حجم الطلب الحقيقي عناصر أساسية تحمي المشروع من القرارات العشوائية، وتمنح رائد الأعمال رؤية واضحة تبني مشروعًا قابلًا للنمو والاستمرار بثبات.

2. تجاهل التكاليف الخفية
من أكبر المخاطر التي يواجهها رواد الأعمال عند إطلاق مشروع دون دراسة جدوى، أن تبقى التكاليف الحقيقية مخفية حتى يفاجئهم الواقع في منتصف الطريق. الإيجارات، التراخيص، الرسوم الحكومية، الصيانة، الرواتب، الضرائب، والمواسم الراكدة، كلها أعباء لا يكشفها الحماس، بل تظهر فقط عبر تحليل مالي دقيق يسبق التنفيذ ويمنع الصدمات المؤلمة.
اقرأ أيضًا: حلول عملية تقترحها دراسة جدوى مغسلة ملابس في السعودية
غياب هذه الحسابات يجعل المشروع يبدو مغريًا على الورق، بينما هو في الحقيقة يستنزف السيولة منذ اليوم الأول. كثير من رواد الأعمال يكتشفون متأخرين أن الإيرادات لا تغطي المصروفات الثابتة والمتغيرة. هنا تتجلى أهمية دراسة الجدوى في حماية رأس المال، وضبط التدفقات النقدية، وبناء مشروع قادر على الصمود والاستمرارية.
3. المبالغة في تقدير الأرباح
هنا يقع الحلم أسير الأوهام، حين يبالغ رواد الأعمال في توقعاتهم، ويملؤون الخطط بأرقام براقة حد الخداع، مثل استرداد رأس المال خلال أشهر قليلة أو تحقيق نمو خيالي في العام الأول. هذه التقديرات لا تستند غالبًا إلى بيانات حقيقية، بل إلى التفاؤل المفرط، فيتحول التخطيط من أداة أمان إلى سبب مباشر للمخاطرة.
اقرأ أيضًا: كيف تشكل حوكمة الشركات مستقبل الاستثمار في السعودية؟
دراسة الجدوى ليست مساحة للأمنيات، بل منصة للواقعية والانضباط. عندما يتجاهل رواد الأعمال هذا المبدأ، يُخدع المستثمر، ويُربك الفريق، ويُبنى المشروع على وعود غير قابلة للتحقق. ومع أول اختبار حقيقي للسوق، تظهر الفجوة بين التوقعات والواقع، فتبدأ الصدمة، ويتسارع الانهيار بدلًا من النمو.

4. إغفال الخطة البديلة
السوق لا يرحم، والتقلبات سمة أصيلة فيه، ومع ذلك يخطئ كثير من رواد الأعمال حين تُبنى دراسة الجدوى على سيناريو واحد مثالي يفترض أن كل شيء سيسير كما هو مخطط. هذا التفكير يتجاهل احتمالات ارتفاع التكاليف، أو تعثر التسويق، أو تغيّر سلوك العملاء، فيجعل المشروع هشًا أمام أول اختبار حقيقي للواقع المتغير.
اقرأ أيضًا: بالأرقام.. مصنع أعلاف في السعودية يحقق أرباحًا مضاعفة قبل 2030
دراسة الجدوى الاحترافية لا تُكتب بعين متفائلة فقط، بل بعقل استراتيجي يستعد للأسوأ قبل الأفضل. لذلك يحتاج رواد الأعمال إلى سيناريوهات متعددة، وخطط بديلة، وهوامش أمان مالية وتشغيلية. بهذه الرؤية، لا يُترك المشروع مكشوفًا أمام العواصف، بل يصبح أكثر قدرة على التكيف والصمود والاستمرار في سوق شديد التنافس.
5. تجاهل التحولات في السوق السعودي
يشهد الاقتصاد السعودي تحولات عميقة تشمل ظهور قطاعات جديدة، وتغيّر أنماط الاستهلاك، وتطور الأطر التنظيمية، وتسارع التجارة الإلكترونية. تجاهل هذه المتغيرات أو الاعتماد على بيانات قديمة ودراسات غير محلية يُعد مخاطرة جسيمة. كثير من رواد الأعمال يقعون في فخ النقل الأعمى، فيبنون قراراتهم على أرقام لا تعكس واقع السوق السعودي المتجدد والمتسارع.
لذلك يجب أن يرتبط رواد الأعمال ودراسة الجدوى بالسياق الحقيقي للسوق. متابعة المؤشرات الرسمية، وقراءات الطلب المحلي، وتحليل التقارير القطاعية، عناصر لا غنى عنها. بهذه المنهجية، يتأكد رائد الأعمال أن مشروعه يسير مع اتجاه الاقتصاد، لا ضده، ويستثمر الفرص الحقيقية بدل مطاردة افتراضات قديمة.
6. استبعاد المتخصصين
من أخطر الأخطاء التي قد يقع فيها أي رائد أعمال طموح، محاولة إعداد دراسة الجدوى بنفسه بالاعتماد على حدسه أو معلومات سطحية. دراسة الجدوى ليست مجرد أرقام، بل تحليل متكامل للسوق والمنافسين والموارد، يحتاج إلى خبرة وأدوات احترافية لتحويل الفكرة إلى خطة قابلة للتنفيذ، وضمان أن المشروع يبدأ على أساس متين وسليم.
اقرأ أيضًا: كيف تختار فكرة مشروع مربح في السوق السعودي؟
كما لا يُبنى منزل دون مهندس مختص، لا يُطلق مشروع دون خبير دراسة جدوى يمتلك الخبرة والمهارة. الاستهانة بهذا الأمر لا توفر المال كما يظن البعض، بل تزيد الخسائر لاحقًا عند ظهور العيوب والتحديات غير المحسوبة. رائد الأعمال الذكي يستثمر في التحليل المسبق ليحمي رؤوس الأموال ويضمن استمرارية المشروع وثباته.
لا تبدأ الرحلة قبل أن ترسم الخريطة
ريادة الأعمال مغامرة رائعة، لكنها لا تُقاد بالعاطفة وحدها، ووسط بيئة تنافسية مثل المملكة العربية السعودية، حيث تكثر الفرص بقدر ما تكثر التحديات، تصبح دراسة الجدوى ليست ترفًا أو إجراءً شكليًا، بل شرطًا للبقاء والنجاح.
كل خطأ من هذه الأخطاء الستة يمكن أن يكون كافيًا لكي يفشل مشروع واعد. لكن تجنّبها لا يتطلب معجزة، بل عقلًا راشدًا، ورؤية واعية، واستعانة بالمختصين. ابدأ من حيث يجب أن يبدأ كل مشروع ناجح: من دراسة جدوى حقيقية، دقيقة، شاملة.. لأنها ليست مجرد ورقة، بل هي درعك الأول ضد الفشل، وجواز مرورك إلى عالم النجاح بثقة واستحقاق.
